الخلاصة
Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from الخلاصة, Health/Beauty, بنها, Cairo.
⚫ القرآن والسنة: وحيٌ يخرجُ من مشكاةٍ واحدة،
ونورٌ لا ينطفئ، وشريعةٌ متكاملة.
✍️ محمد أبوالنصر
● الحمد لله الذي اصطفى من عباده رسلاً، وأنزل عليهم وحيه هدى ورحمة للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالم الغيب والشهادة، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، الذي لا ينطق عن الهوى، بل هو وحي يوحى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، أيها الإخوة المؤمنون، فإن حديثنا اليوم ليس حديثاً في فرع من فروع المعرفة فحسب، بل هو حديث في أصل الأصول، وفي المنبع الذي فاضت منه أنوار الشريعة، ألا وهو حديثنا عن "الوحي: حقيقته، أنواعه، ودلائل كون السنة النبوية وحياً من عند الله". إنه بحث تتجاذبه أطراف العلم؛ من التفسير إلى الحديث، ومن أصول الفقه إلى علم الكلام، محوره اليقين بأن كل ما صح عن النبي المصطفى ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، إنما هو شرع متبع، وأنه وحي من الله تعالى، لا يقل في وجوب اتباعه عن القرآن الكريم، وإن افترقا في خصائص التلاوة والإعجاز. وسأقف بكم في هذه المحاضرة على معالم هذا الأصل العظيم، مستندين إلى نصوص الوحيين، وكلام أئمة العلم، لنخرج من هذا المقام وقد ازددنا يقيناً على يقين.
ويأتي كلامي في المباحث التالية.
⚫ المبحث الأول: التعريف اللغوي والشرعي للوحي، وبيان أنواعه
● قبل أن نشرع في تفصيل الأدلة على وحي السنة، لا بد من تأصيل معنى الوحي ذاته، فهو اللفظة المحورية في بحثنا. فما هو الوحي لغة وشرعاً، وما هي أنواعه التي أنزلها الله على قلب نبيه الكريم ﷺ؟
● أولاً: تعريف الوحي لغة
- الوحي في لسان العرب كلمة تدور معانيها على الخفاء والسرعة. قال العلامة ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: "(و ح ي) كلمةٌ تدل على إلقاء علمٍ في خفاء، أو غير ذلك، من كلام أو كتاب أو غيره".
فهو يطلق على الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك بصورة خفية سريعة. وقد وردت هذه المادة في القرآن على هذه المعاني اللغوية، فقال تعالى حاكياً عن زكريا عليه السلام: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا﴾ [سورة مريم: 11]، أي أشار إليهم إشارة خفية. وقال سبحانه عن تسخير الكائنات: ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ﴾ [سورة النحل: 68]، أي ألهمها إلهاماً جبلياً خفياً. فالوحي في أصله اللغوي يقوم على ركنين أساسيين: الإعلام، والسرعة الخفية، كما نص على ذلك أهل التفسير واللغة.
● ثانياً: تعريف الوحي في الشرع
- أما تعريف الوحي في الاصطلاح الشرعي فهو أخص من معناه اللغوي، إذ يُراد به: إعلام الله تعالى لمن اصطفاه من عباده بكل ما أراد إطلاعه عليه من حكم شرعي وغيره، ويكون ذلك على وجه السر والخفاء غير المعتاد للبشر. وهذا باعتبار المصدر، وأما باعتبار المُوحَى به فهو اسم المفعول، فيراد به كلام الله عز وجل المنزل على نبيه محمد ﷺ، سواء كان هذا الكلام متلواً (وهو القرآن) أو غير متلو (وهو السنة النبوية). وهذا القيد الأخير هو الذي يجعلنا ننتقل إلى النقطة الجوهرية في هذا المبحث.
● ثالثاً: أنواع الوحي وحالاته .
- لقد حصر الله تبارك وتعالى كيفية تكليمه لعباده المصطفين في ثلاث حالات بينتها آية كريمة، وهي أصل في هذا الباب، قال سبحانه: ﴿۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ﴾ [سورة الشورى: 51].
وهذه الحالات الثلاث ترجع إلى نوعين رئيسين:
• النوع الأول: الوحي بغير واسطة، ويشمل الحالتين:
- الإلقاء في الروع أو المنام: ويكون الوحي إلهاماً يقذف في قلب النبي يقظة، أو رؤيا صادقة في منامه، كما حصل لإبراهيم عليه السلام في ذبح ولده، وكما رأى النبي ﷺ دخول مكة في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي حق.
- التكليم من وراء حجاب: بأن يكلم الله تعالى نبيَّه من غير أن يراه، بل يسمع كلامه سبحانه، كما كلّم موسى عليه السلام.
• النوع الثاني: الوحي بواسطة الملك، وهو قوله تعالى: ﴿أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا﴾، وهو جبريل عليه السلام. ولهذا النوع صور متعددة، منها أن يأتي الملك في صورته الحقيقية، ومنها أن يتمثل رجلاً، ومنها النفث في الروع (الإلهام)، ومنها الصورة الغالبة في نزول القرآن وهي أن يأتيه مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليه ﷺ، فيفارقه وقد وعى ما قال.
وهنا دقيقة علمية ينبغي الوقوف عندها: القرآن الكريم نزل كله بواسطة جبريل عليه السلام، على خلاف في بعض آيات أواخر سورة البقرة، أما السنة فقد تنزل بالوحي الجلي (عن طريق جبريل) أو الخفي (الإلهام والقذف في القلب).
وهذه التفرقة تبين أن ما نطق به النبي ﷺ لم يكن اجتهاداً بشرياً خالصاً في أمور الغيب والتشريع، بل هو صادر عن المنبع الإلهي نفسه، وإنما تختلف صورة التلقي.
⚫ المبحث الثاني: ثبوت النبوة بالوحي، وكونه الأصل دون الكتابة
● بعد أن بيّنا حقيقة الوحي، يبرز سؤال أصولي مهم: كيف تثبت النبوة؟ وما العلامة الفارقة على صدق النبي؟
● الوحي هو أصل ثبوت النبوة والرسالة .
- إن نزول الوحي على إنسان هو البينة الكافية القاطعة على نبوته واصطفاء الله تعالى له. فإذا نزل عليه الأمر من الله بتبليغ ما أوحي إليه، صار بذلك رسولاً. وعلى هذا، فإن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً. والنبي قد يكون متعبداً بشريعة من سبقه، كما كان أنبياء بني إسرائيل على شريعة موسى عليه السلام.
إذا تقرر هذا، فإن الشرط في إثبات النبوة هو مطلق الوحي، لا نزول كتاب. فمن المجمع عليه أن كثيراً من الأنبياء والرسل عليهم السلام لم ينزل عليهم كتب ولا صحف، وإنما كان الوحي ينزل عليهم بأوامر الله ونواهيه وإخباراته. ولو كان نزول كتاب شرطاً لصحة النبوة، لبطلت نبوة جمع غفير من الأنبياء، وهذا منتفٍ. ويُستدل على هذا الأصل من القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱالنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱالۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا﴾ [سورة النساء: 163]. فتأملوا في دقة اللفظ القرآني: قال في الجميع ﴿وَأَوْحَيْنَآ﴾، ولما وصل إلى داود قال: ﴿وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا﴾، ففرق بين مطلق الوحي، وإنزال الكتاب. فالعبرة إذاً بالوحي لا بالكتابة، وبه قامت الحجة.
● ليس كل الوحي مكتوباً
- وهذا أصل آخر يُبنى على ما قبله، وهو أنه لا يُشترط أن يكون الوحي المنزل على النبي مكتوباً في صحف أو كتاب. حتى بالنسبة للأنبياء الذين نزلت عليهم كتب، كالتوراة والإنجيل والزبور، فإنه وردت عليهم أحكام وأقضية وقصص ومواعظ بطريق الوحي الشفاهي المباشر، وليس في نص الكتاب. وهذه الشواهد القرآنية كثيرة، نقتصر على مثالين:
المثال الأول: في قصة نوح عليه السلام، نجد محاورة مباشرة بين الله ونبيه لم تكن ضمن كتاب مسطور، بل وحي منزل آني. قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦ وَٱاصۡنَعِ ٱالۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱالَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧ ... حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱالۡتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱاحۡمِلۡ فِيهَا ... قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ ... قِيلَ يَٰنُوحُ ٱاهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا ...﴾ [سورة هود: 36-49]. فهذا الخطاب الإلهي المباشر، والأمر والنهي والمحاورة، أهي منصوص عليها في كتاب يقرؤه نوح؟ كلا، بل هو وحي حي متجدد غير مسطور.
المثال الثاني: في قصة موسى عليه السلام وبني إسرائيل في أمر البقرة، وهو مثال يكاد يكون نصاً في المسألة: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱالۡلَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ ... قَالُواْ ٱادۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ ... قَالُواْ ٱادۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ ... قَالُواْ ٱادۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ... قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱالۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱالۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱالۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱالۡحَقِّۚ﴾ [سورة البقرة: 67-73]. لاحظوا هذه السلسلة من الأوامر والأجوبة، إنها استفتاءات ومراجعات وتدريج في التشريع، وليست تلاوة لنص مكتوب سلفاً في التوراة. فلو كانت هذه التفاصيل مكتوبة في التوراة، لأمرهم موسى بقراءتها واكتفى، ولكنه راجع ربه فوراً، دلالة على أن الوحي ينزل عليه بالأمر الإلهي المباشر. فإذا جاز هذا لموسى وعيسى وداود عليهم السلام، فأين نبيُّنا محمد ﷺ وهو سيد الخلق وخاتم الرسل من ذلك؟ إن السنة في حقه ليست إلا صدى لهذا الوحي الإلهي المتجدد الذي كان يتلقاه ﷺ، فتجري على لسانه أقوالاً، وعلى يديه أفعالاً هي شرع الله الخالد.
⚫ المبحث الثالث: الأدلة العامة من القرآن الكريم على أن السنة وحي
● بعد هذه المقدمة التأصيلية، ندخل إلى صلب الموضوع بأدلته الناصعة من كتاب الله، والتي تنقسم إلى نوعين: أدلة عامة، وأدلة خاصة. فأما الأدلة العامة فهي الآيات التي تشمل بعمومها كل ما يصدر عن النبي ﷺ.
● الدليل الأول: آية النجم، التصريح بأن كل نطقه وحي .
- الآية الجامعة المانعة في هذا الباب هي قوله تعالى في مطلع سورة النجم: ﴿وَٱالنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱالۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤ عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱالۡقُوَىٰ ٥﴾ [سورة النجم: 1-5].
● وهنا وقفات بلاغية وأصولية مهمة:
أولاً: قوله تعالى ﴿وَمَا يَنطِقُ﴾: النطق مطلق، وهذا فعل مضارع يدل على الاستمرار والتجدد، فهو يشمل كل ما نطق به ﷺ في حياته الشريفة من أمور الدين والتشريع. ولو كان المقصود القرآن فقط لقال: "وما يتلو" أو "وما يقرأ" مثلاً.
ثانياً: النفي بـ ﴿مَا﴾ ونفي الهوى، فالآية تنفي أن يكون مصدر منطقه ﷺ هو هوى النفس، مما يقتضي حصراً أن المصدر ليس إلا محض الوحي.
ثالثاً: الحصر بـ ﴿إِنۡ هُوَ﴾ و ﴿إِلَّا﴾، أي ما نطقه في مقام التشريع والبيان للدين إلا وحي من الله يوحى. وهذا الاستثناء المفرغ يدل على القصر القلبي (أي قصر القلب)، فكأنه يقول: لا تظنوا أن منطقه عن هوى، بل هو وحي فقط لا غير.
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى مقسماً بالنجم إذا هوى: ما ضل محمد في قوله ولا في فعله، وما غوى، بل هو رشيد سديد، وما ينطق عن هوى نفسه، أي: لا يقول قولاً يصدر عن هوى نفسه وغرضها ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰٓ﴾ أي: إنما يقول ما أُمر بتبليغه إلى الناس، كاملاً موفوراً من غير زيادة ولا نقصان".
وبهذا تكون هذه الآية أصلًا أصيلًا في حجية السنة، إذ هي نص في أن كل ما يبلغه النبي ﷺ عن ربه ليس من عنده، بل هو وحي منزل.
● الدليل الثاني: آيات تعليم الكتاب والحكمة
- تكرر في القرآن الكريم وصف مهمة النبي ﷺ بأنها تعليم الكتاب والحكمة، في عطف يقتضي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه. ففي أربعة مواضع قرآنية جاء العطف، منها قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَٱابۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱالۡكِتَٰبَ وَٱالۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱالۡعَزِيزُ ٱالۡحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة: 129]. فما هذه الحكمة التي عطفت على الكتاب؟
لقد بيّن الله جل شأنه أن الحكمة منزلة كالكتاب، فقال: ﴿وَأَنزَلَ ٱالۡلَّهُ عَلَيۡكَ ٱالۡكِتَٰبَ وَٱالۡحِكۡمَةَ﴾ [سورة النساء: 113]، وقال: ﴿وَٱاذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱالۡلَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱالۡكِتَٰبِ وَٱالۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ﴾ [سورة البقرة: 231]. فالإنزال صفة للكتاب والحكمة معاً، مما يدل دلالة قاطعة على أن الحكمة وحي من عند الله، وليست مجرد فهم أو اجتهاد نبوي، فالفهم البشري لا يوصف بالإنزال. وقد أجمع سلف الأمة على أن الحكمة هي السنة.
وهنا نقف عند نص نفيس للإمام الشافعي رحمه الله، حيث يؤصل هذه القاعدة بقوله: "ذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأن القرآن ذُكِر، وأُتبعته الحكمة، وذكر الله منَّه على خلقه: بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز -والله أعلم- أن يقال الحكمة ههنا: إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقد زاد هذا المعنى وضوحاً قوله تعالى مخاطباً نساء النبي ﷺ: ﴿وَٱاذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱالۡلَّهِ وَٱالۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱالۡلَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: 34]، فهنا عطف الحكمة على آيات الله، وآيات الله هي القرآن المتلو، فعلمنا أن ما يتلى في بيوت النبي ﷺ نوعان: كتاب، وسنة. كلاهما وحي متلو، لكن أحدهما معجز (القرآن) والآخر بيان له (السنة). وهذا مذهب عامة السلف والمفسرين.
● الدليل الثالث: تكفل الله ببيان القرآن على لسان النبي ﷺ
- من الأدلة العامة العظيمة في الدلالة على وحي السنة، تكفل الله تعالى ببيان القرآن الكريم على لسان نبيه ﷺ، وذلك في قوله سبحانه: ﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦ إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧ فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱاتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ ١٩﴾ [سورة القيامة: 16-19].
إن في هذه الآيات دلالة باهرة على أن بيان القرآن ليس مجرد فهم بشري، بل هو تكفل رباني. فقد كان النبي ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالوحي، يعجل بتحريك لسانه ليحفظ ما يلقى عليه، شدة حرصه على الوحي، فأنزل الله هذه الآية يطمئنه أن الحفظ والجمع في صدره هو على الله، ثم إن البيان بعد ذلك هو على الله أيضاً.
والشاهد من الحديث المفسر للآية، والمخرج في الصحيحين، هو قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في وصف هذه الحال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فأنزل الله الآية التي في لا أقسم بيوم القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ﴾ قال: علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه ﴿فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱاتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ﴾ قال: فإذا أنزلناه فاستمع، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ﴾ علينا أن نبينه بلسانك، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما وعده الله".
فقوله: "علينا أن نبينه بلسانك" هو التصريح بأن ما يجري على لسان النبي ﷺ من بيان وإيضاح لمجمل القرآن ومشكله، هو من فعل الله وإتمامه، وليس من فعل النبي ﷺ وحده. والبيان المقصود هنا لا يمكن أن يكون هو القرآن نفسه، وإلا لزم التسلسل، إذ سيحتاج هذا البيان إلى بيان آخر، بل هو وحي آخر غير متلو، وهو السنة التي نطق بها ﷺ. وهذا يصدقه قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱالذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: 44]، فالذي أمره الله به وجعله مهمته هو نفسه الذي تكفل به، وهو بيان الكتاب.
● الدليل الرابع: تفويض بيان الأحكام الشرعية العملية إلى السنة .
- وهنا يتجلى الدليل العملي، وهو أن القرآن الكريم جاء بأصول الشريعة وكلياتها، وفوض أمر تفصيلها إلى النبي ﷺ. ولو لم تكن هذه التفاصيل وحياً من عند الله، لكانت اجتهاداً بشرياً يتطرق إليه الخطأ والنسيان، ولما أقرها الله تعالى، ولجاء القرآن لتصحيح ما يحتاج تصحيحاً منها.
وإليكم أمثلة تطبيقية تريك كيف أن السنة هي التي بنت صرح الأحكام العملية بناءً على الأصول القرآنية:
• في الصلاة: أمر الله بها مطلقة ﴿وَأَقِيمُواْ ٱالۡصَّلَوٰةَ﴾، فلم يبين عدد الركعات، ولا كيفية الركوع والسجود، ولا شروطها وأركانها ومبطلاتها. كل ذلك بينته السنة قولاً وفعلاً، فقال ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" . فجعل فعله هو بيان المطلوب، ولم يأت هذا التفصيل في القرآن.
• في الزكاة: أوجبها الله مجملة ﴿وَءَاتُواْ ٱالۡزَّكَوٰةَ﴾، فأتت السنة وفصلت: الأموال الزكوية، والنصب، ومقادير الواجب، والأحكام. فالذي شرع لنا أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وفي أربعين شاة شاة، هو النبي ﷺ.
• في الصيام: قال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱالۡشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ﴾ [سورة البقرة: 185]، وبينت السنة المفطرات، والكفارات، والأحكام، وما يسن صومه من النوافل كالاثنين والخميس وست من شوال.
• في الحج: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱالۡنَّاسِ حِجُّ ٱالۡبَيۡتِ﴾ [سورة آل عمران: 97]، فأتى النبي ﷺ في حجة الوداع ليبين المناسك عملياً، قائلاً: "خذوا عني مناسككم" . فالميقات الزماني والمكاني، والوقوف بعرفة، والمزدلفة، والرمي، والطواف، كلها من وحي السنة البياني.
أيها الإخوة، إن العقل لا يسعه إلا التسليم بأن هذه التشريعات التفصيلية لا يمكن أن تكون من بنات أفكار البشر، بل هي صادرة عن العلم المحيط، ﴿قُلۡ أَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱالۡلَّهُۚ﴾ [سورة البقرة: 140]. ولذلك قال الإمام الشافعي في رسالته البديعة: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. فقال لي قائل: تقول هذا مطلقاً؟ قلت: نعم، فإن الله أنزل كتابه لبيان كل شيء، وجعل بيان ما أنزل على لسان نبيه ﷺ".
⚫ المبحث الرابع: الأدلة الجزئية من القرآن على وحي السنة .
- وهي الآيات التي تشير إلى أحداث خاصة، تبين بوضوح أن النبي ﷺ كان يتلقى من الله أخباراً ليست في القرآن، فيخبر بها، مما يؤكد أن السنة وحي غير متلو.
● الدليل الأول: إظهار الله لنبيه على السر الذي أفشته زوجه .
تأملوا قصة النهي عن التحريم مع أزواجه ﷺ، حيث قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَسَرَّ ٱالۡنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱالۡلَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱالۡعَلِيمُ ٱالۡخَبِيرُ﴾ [سورة التحريم: 3].
هذه الآية تصف موقفاً دقيقاً، فقد أسر النبي ﷺ حديثاً لبعض أزواجه، أي حفصة رضي الله عنها، فأفشته لعائشة، فأطلع الله نبيه على هذا الأمر الخفي. ولم ينزل قرآن قبل هذا يتلى ليخبره، بل أنبأه الله بذلك إنباءً خاصاً خفياً. ودل على ذلك قولها: ﴿مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ﴾، وجوابه ﷺ: ﴿نَبَّأَنِيَ ٱالۡعَلِيمُ ٱالۡخَبِيرُ﴾. فهذا الإظهار (الإعلام) هو وحي، وليس من القرآن، مما يدل على أن السنة النبوية التي قص فيها النبي ﷺ هذا الخبر هي وحي أيضاً، لأنه لا ينطق عن الهوى.
● الدليل الثاني: إخباره ﷺ بالمغيبات الماضية والمستقبلة .
- لقد حصر الله علم الغيب في ذاته المقدسة، فقال: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱالۡسَّمَٰوَٰتِ وَٱالۡأَرۡضِ ٱالۡغَيۡبَ إِلَّا ٱالۡلَّهُۚ﴾ [سورة النمل: 65]، ثم استثنى من شاء من رسله، فقال: ﴿عَٰلِمُ ٱالۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ٱارۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ ...﴾ [سورة الجن: 26-27]. وقد أطلع الله نبيه ﷺ على الكثير من أنباء الغيب؛ ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وكل ذلك شاهد على أنه وحي منه سبحانه. وتأملوا هذه الأحاديث التي تضمنت إخباراً شاملاً بأمور لا يمكن لبشر أمي مثله أن يحيط بها لولا الوحي:
يخبرنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلاً: "قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقاماً، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه". فهذا إخبار عن الماضي السحيق (بدء الخلق) والمستقبل البعيد (مصير أهل الجنة والنار)، وهل هذا إلا الوحي؟
ويقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً، ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه...". بل إن حذيفة صرح في رواية أخرى لمسلم: "أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته عنه، إلا أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟". هذا كلام من؟ إنه كلام الصادق المصدوق الذي تلقى ذلك كله من العليم الخبير. ومن أراد الوقوف على التفاصيل المذهلة في هذا الباب، فليرجع إلى كتب أشراط الساعة، فهي مملوءة بأخبار الغيب التي وقعت طبق ما أخبر ﷺ، كالفتن، وعلامات الساعة الصغرى والكبرى. فلم يخبر القرآن عنها، بل جاءت السنة مفصلة لها، مصداقاً لقوله: ﴿فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ﴾ [سورة محمد: 18]، فأتى البيان في السنة. وهكذا ترون أن هذه الأحاديث بنفسها دالة على أن مصدرها وحي.
● الدليل الثالث: واقعة بدر، ووعد الله بالنصر على لسان نبيه ﷺ
- من الشواهد الباهرة على التلقي المباشر غير المسطور في القرآن، ما حدث قبيل غزوة بدر. لقد وعد الله نبيه ﷺ إحدى الطائفتين، فلما تعين القتال، وقف النبي ﷺ يناشد ربه ويخبر الصحابة بما أوحي إليه من وعد الله.
يروي لنا الصحابيان الجليلان عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهم هذه المشاهد العظيمة. ففي صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني...".
وفي رواية البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال وهو في قبة يوم بدر: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك... ثم خرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهۡزَمُ ٱالۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱالۡدُّبُرَ ٤٥ بَلِ ٱالۡسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡۖ وَٱالۡسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ [سورة القمر: 45-46]".
ثم الأعجب من ذلك، أنه أخبرهم بمصارع القوم قبل القتال. يقول عمر رضي الله عنه: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله. قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدود التي حد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وزاد أنس رضي الله عنه في روايته: "ويضع يده على الأرض ههنا وههنا. قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
فهذا كله: طلب إنجاز الوعد، والإخبار بمصارع المشركين بأعيانهم، أهو قرآن متلو؟ كلا. إنه وحي خاص أطلعه الله عليه، وليس من اجتهاد بشر، لأنه من المغيبات القطعية.
⚫ المبحث الخامس: الأدلة من السنة النبوية على أن السنة وحي
- بعد أن أبحرنا في الأدلة القرآنية، نعرج إلى كنوز السنة النبوية ذاتها، لنستمع إلى شهادتها على نفسها. وهي أدلة كثيرة جداً، حتى يصعب حصرها، وقد جمع العلماء منها العناوين والمئات من الأحاديث. وسأقف بكم على بعض العناوين الكلية والنماذج الحديثية، وهي غيض من فيض .
● تمهيد: عناوين الأحاديث الدالة على كون السنة وحياً
إن المتأمل في دواوين السنة ليجد أن ما صدر عن النبي ﷺ من أقوال يندرج تحت عناوين جامعة، كلها لا تصلح إلا لمصدر إلهي واحد. ففي الصحاح نجد أحاديث جاءت بلفظ:
● الوحي ومشتقاته: كقوله "أوحي إلي".
الأمر: كقوله "أمرت أن أقاتل الناس"، "أمرني ربي".
النهي: كقوله "نهيت عن القبور".
الإعطاء والإحلال والتحريم: كقوله "أعطيت خمساً"، "أحلت لي الغنائم".
الوعد والوعيد: كقوله "لقد رأيت كل ما وعدته".
التحريم والإباحة: كقوله "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه... ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله". هذه العناوين وسواها مما يطول ذكره، كلها تشير بوضوح إلى أن مصدر التشريع النبوي ليس استحساناً ولا رأياً، بل هو تبليغ محض عن رب العالمين.
● نماذج من الأحاديث
سنقف الآن مع مجموعة من الأحاديث الصحيحة الصريحة التي نصت على أن النبي ﷺ كان يتلقى الوحي ويخبر به .
● أولاً: الأحاديث التي جاءت بلفظ الوحي أو مشاهدة حاله ﷺ عند التلقي:
• عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، في حديث صلاة الكسوف الطويل، وفيه قول النبي ﷺ بعد انجلائها: "أما بعد، ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور، قريباً -أو مثل- فتنة المسيح الدجال...". الحديث.
في هذا الحديث الشاهد قوله: "أوحي إلي"، في أمر مستقبلي هو فتنة القبر.
• وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيباً، فقال: "...وإن الله أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد".
• وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه، في قصة سؤال الرجل عن العمرة والطيب، وفيه: "فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر رضي الله عنه إلى يعلى، فجاء يعلى -وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظل به- فأدخل رأسه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمر الوجه، وهو يغط، ثم سري عنه...".
وهنا وصف دقيق لحالة الوحي الجلي، كيف كان ينزل عليه، وهو مؤثر جسدي لا يمكن تكلفه.
● ثانياً: الأحاديث التي جاءت بلفظ الأمر الإلهي المباشر:
• قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله".
قوله: "أمرت"، بضم التاء، صريح في أن الأمر من الله، لا من اجتهاده.
• وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم؛ على الجبهة -وأشار بيده على أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر".
● ثالثاً: الأحاديث التي دلت على أن النبي ﷺ يُطلعه الله على الغيب تحقيقاً لوعده:
• عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضلت على الأنبياء بست؛ أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون".
• وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة".
تأملوا اليقين الذي يتحدث به ﷺ عن مكانته، وعن تفاصيل ما أعطيه مما لا يعلمه إلا الله.
● رابعاً: الأحاديث التي تبين أن أحكاماً شرعية جاءت بصيغة الإذن الإلهي:
• عن أبي شريح رضيي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: "إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس...".
● خامساً: الأحاديث التي جاءت بلفظ النهي الإلهي:
• عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: "أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة؛ يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم".
● سادسا : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"
- إن من أوضح الأدلة على أن السنة وحي كالقرآن، قوله ﷺ كما في الحديث الصحيح عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله".
تأملوا قوله: "ومثله معه"، فالسنة تعدل القرآن في وجوب الاتباع والعمل، وإن كانت دونه في الإعجاز والتلاوة والتعبد.
● سابعا : إقرار الله تعالى له في اجتهاده الذي بلغ حد الوحي .
- لم يثبت أن النبي ﷺ اجتهد في حكم تشريعي فأخطأه، بل كان يجتهد أحياناً في الأمور الدنيوية فيشير الصحابة بخلافه، أو في بعض القضايا فينزل الوحي معدلاً له إلى الأولى، كما في قصة أسارى بدر، وقصة التأبير (تلقيح النخل)، لكنه في مقام التشريع الديني كان كل قوله وحياً، يقرره الله عليه. ولو كان اجتهاده ليس وحياً في ذاته، لصوب القرآن بعض أقواله، ولكنه سبحانه بدلاً من ذلك أوجب طاعته مطلقة، وجعل طاعته من طاعته، فقال: ﴿مَّن يُطِعِ ٱالۡرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱالۡلَّهَۖ﴾ [سورة النساء: 80]، ولم يقل: من يطع الرسول فيما ليس في القرآن! ولم يقيد. وهذا دليل قاصم على أن طاعته في سنته واجبة كطاعة القرآن.
⚫ الخاتمة
أيها الإخوة المؤمنون، بعد هذا المسير المبارك في رياض الوحي، نخلص إلى نتائج راسخة ينبغي أن تستقر في القلب والعقل:
● الوحي أعم من الكتاب: فالوحي هو الأصل الجامع الذي يشمل القرآن والسنة معاً. فالقرآن وحي متلو معجز، والسنة وحي غير متلو، وكلاهما من عند الله.
● لا تفريق بين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في وجوب الاتباع: فقد أمر الله بطاعة رسوله في أزيد من أربعين موضعاً، وجعل طاعته من طاعته، وحذر من مخالفة أمره بقوله: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱالۡذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [سورة النور: 63].
● وجوب التسليم للسنة الثابتة كما نسلم للقرآن: فلا يسوغ لعبد بعد أن صح عنده حديث عن رسول الله ﷺ أن يرده برأيه أو قياسه، فضلاً عن أن يرده بدعوى معارضته للقرآن، فالذي قال له: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ﴾ هو الذي أنزل عليه القرآن، فلا تعارض بين كلاميه أبداً.
● إنكار حجية السنة هدم للإسلام: فالطعن في السنة والسعي لردها أو حصر الدين في القرآن وحده هو طريق محدث، نتيجته هدم الدين كله، إذ كيف نصلي بغير السنة، وكيف نزكي، وكيف نحج؟ إن هذا لهو بعينه ما حذر منه النبي ﷺ بقوله عن قوم في آخر الزمان: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه...".
🤲 أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا التمسك بكتابه وسنة نبيه، والذب عنهما، حتى نلقاه وهو راض عنا.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
✍️ محمد أبوالنصر
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة، رقم: ١٨٧].
# ⚫ **المحور الأول: السياق القرآني والبيان الإلهي للعلاقة الزوجية**
نزلت هذه الآية في سياق رخصة الله تعالى للمسلمين في الجماع والأكل والشرب ليالي رمضان بعد أن كان محرمًا عليهم، فجاء هذا التشبيه البليغ ليؤسس لنموذج رباني فريد في العلاقة بين الزوجين، قوامه المودة والسكن والرحمة.
● قال سبحانه مؤكدًا هذا المعنى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم، رقم: ٢١].
● وقال سبحانه مبينًا أصل الخلق والتسكين: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف، رقم: ١٨٩].
● وأقام الشرع الشريف أساس هذه العلاقة على المودة والرحمة وحسن العشرة، وجعل حق المرأة في ذلك كحق الرجل؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة، رقم: ٢٢٨].
فهذه الآيات مجتمعة ترسم لوحة متكاملة للعلاقة الزوجية: خلق من نفس واحدة، سكن، مودة، رحمة، تماثل في الحقوق، وأعظمها تشبيهًا: كون كل منهما لباسًا للآخر.
# ⚫ **المحور الثاني: تأصيل معنى "اللباس" في اللغة والشرع**
⚫ **أولاً: المعنى اللغوي**
اللباس في اللغة: ما يُلبس ويُستر به الجسد، وهو يشمل الثوب والإزار واللحاف والغطاء والسكن والوقاء. والعرب تكني عن الأهل بالستر واللباس والثوب والإزار، قال الشاعر نابغة بني جعدة يصف التقاء الزوجين:
إذا ما الضجيع ثنى عطفها تداعت، فكانت عليه لباسا
ويروى "تثنت" فكنى عن اجتماعهما متجردين في فراش واحد باللباس.
⚫ **ثانيًا: المعنى الشرعي في الآية**
إن تشبيه الزوجين باللباس جاء لمعانٍ عظيمة متعددة، وقد أفاد المفسرون رحمهم الله في بيانها.
● **النقل الأول - تفسير الإمام الطبري رحمه الله:**
قال الإمام أبو جعفر الطَّبَرِي في "جامع البيان" (3/ 489-492، ط. مؤسسة الرسالة) -في تفسير قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾-: [فإن قال قائل: وكيف يكون نساؤنا لباسًا لنا، ونحن لهن لباسًا، و"اللباس" إنما هو ما لُبِسَ؟
قيل: لذلك وجهان من المعاني: أحدهما: أن يكون كل واحدٍ منهما جُعل لصاحبه لباسًا، لتجرُّدهما عند النوم، واجتماعهما في ثوبٍ واحدٍ، وانضمام جسد كل واحد منهما لصاحبه، بمنزلة ما يلبسه على جَسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما: هو "لباسٌ" لصاحبه..
والوجه الآخر: أن يكون جَعل كلَّ واحد منهما لصاحبه "لباسًا"؛ لأنه سَكنٌ له، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [الفرقان: 47]، يعني بذلك سكنًا تسكنون فيه، وكذلك زوجة الرجل سَكنه يسكن إليها، كما قال تعالى ذِكْرِه: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189]، فيكون كل واحد منهما "لباسًا" لصاحبه، بمعنى سكونه إليه] اهـ.
● **النقل الثاني - تفسير الإمام الفخر الرازي رحمه الله:**
قال الإمام الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب" (5/ 270، ط. دار إحياء التراث العربي): في بيان وجوه تشبيه الزوجين باللباس في الآية الكريمة: [أحدها: أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سمي كل واحد منهما لباسًا... وثانيها: إنما سمي الزوجان لباسًا ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل؛ كما جاء في الخبر «مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أَحْرَزَ ثُلُثَيْ دِينِهِ». وثالثها: أنه تعالى جعلها لباسًا للرجل، من حيث إنه يخصها بنفسه، كما يخص لباسه بنفسه، ويراها أهلًا لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس. ورابعها: يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت، لو لم تكن المرأة حاضرة، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار] اهـ.
# ⚫ **المحور الثالث: تفصيل أوجه التشبيه بين الزوجين واللباس (ثمانية أوجه)**
⚫ **الوجه الأول: السَّتْرُ**
● فاللباس يستر السوأة ويغطيها، وسميت العورة سوأة؛ لأن الإنسان يستاء من ظهورها، فامتن الله على عباده بأن أنزل عليهم لباسًا يغطي سَوْآتهم: قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف، رقم: ٢٦].
والزوجان لباس لبعضهما، يغطي كل واحد منهما الآخر، ويستر عيوبه وسوآته، مما يزيد الألفة بينهما، فالحياة الزوجية مبنية على الستر، لا على الكشف والفضيحة. والزوجان هما أعرف الناس ببعضهما البعض؛ فقد تنكشف لكل منهما أمور عن الآخر لا يَطَّلِعُ عليها سواهما، فمن الألفة بينهما أن تبقى مستورة.
● وفي الحديث: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» .
⚫ **الوجه الثاني: الْوِقَايَةُ وَالْحِمَايَةُ**
● فإن الإنسان يتقي بلباسه الحرَّ والبَرْد؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل، رقم: ٨١].
إن الحماية التي يقوم بها كلا الزوجين للآخر كلباس له أعظم من اللباس الذي يحمي من الحر والبرد، فهما يشكلان لبعضهما حصنًا يحميهما من الفاحشة، فالزوجة لباس لزوجها تمنعه بإعفافها له أن ينكشف على غيرها بطريق الحرام، فتكون لباسًا له، والزوج لباس لزوجته، يمنعها بإعفافه لها أن تنكشف على غيره بطريق الحرام؛ فيكون لباسًا لها.
● وفي الحديث: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا رَأَى أحَدُكُمُ المَرْأَةَ فَأَعْجَبَتْهُ، فَلْيَأْتِ أهْلَهُ، فإنَّ معها مِثْلَ الذي معها» وفي رواية: «إذا رأى أحدكم من امرأة ما يعجبه، فليأت أهله، فإن ذلك رَدُّ ما في نفسه» .
ولا تقف الحماية عند منع الوقوع في الفاحشة، فهي تشمل -أيضًا- الحماية النفسية والصحية والخُلُقيَّة المترتبة على الوقوع في الفاحشة.
⚫ **الوجه الثالث: الدِّفْءُ وَالسَّكَنُ**
● حيث يقوم اللباس بعملية التوازن والملاءمة للجو المحيط بالإنسان، ونعني به الجانب العاطفي عند الزوجين، فقد يَلْحَق بأحد الزوجين ما يُعَكِّرُ صَفْوَهُ، ويؤثِّر في نفسيته، فيجد عند الآخر من العاطفة والاحتضان لهَمِّه ما يُصَفِّي كدره ويؤْنِسُه، ولا أظن أحدًا يَسُدُّ مَسَدَّ هذا الجانب العاطفي عند الزوجين غيرهما، لا الأبوين ولا الإخوة، ولا الأبناء. وقد قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم، رقم: ٣٠].
● وجاء في التفسير الحديث: قال صاحب «التفسير الحديث»: «وفي الآية: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) [البقرة: 187] تنويه بعلاقة الزوجين ببعضهما، وما يجب أن تقوم هذه العلاقة عليه، من الصفاء والتواد، والتمازج، حتى يغدوا كشخص واحد، وروح واحدة، وقلب واحد» .
⚫ **الوجه الرابع: التَّكْمِيلُ**
● حينما يكون الإنسان دون لباس يشعر أنَّ فيه نقصًا، فإذا لبس ما يستره سَدَّ ذلك النقص، والحال نفسه بالنسبة للزوجين، كل واحد منهما يُكَمِّل الآخر، وَيَسُدُّ نقصه، والرجل دون زوجةٍ فيه نقص، والمرأة دون زوج فيها نقص، فإذا تزوجا سُدَّ النقص الذي كان فيهما، فللرجال خُلِقَت النساء، ولهن خُلِقَ الرجال. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف، رقم: ١٨٩].
⚫ **الوجه الخامس: الْجَمَالُ**
● ذكرنا أن العورة سميت بالسوأة لأن الإنسان يستاء من ظهورها، فيغطيها باللباس، واللباس لا يستر العورة فحسب؛ بل يُجَمِّلُ الإنسان أيضًا، ولا يكون الإنسان جميلًا دون لباس عند العقلاء. وبالنسبة للزوجين، فإن كل واحد منهما جمال للآخر، جمال لمظهره، وجمال لصفاته وتدينه، يرى نقصه من خلاله، فيسد نقصه ليزداد جمالًا. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف، رقم: ١٨٩]، فالتغشية من الجمال والألفة.
⚫ **الوجه السادس: التَّكَيُّفُ وَالْمُرُوءَةُ**
● وأعني بذلك أن اللباس قابل للتعديل عليه، فإذا كان واسعًا عُدِّلَ عليه، وكذلك العكس، والزوجان لبعضهما لباسٌ، كل واحد منهما عنده القابلية للتعديل على صفاته نحو الأحسن، وهذا يكون بالتنازلات، فالحياة الزوجية تقوم على المعروف، تمامًا كاللباس؛ فعند حياكته لا بد أن تكون هناك زوائد في القماش لا يحتاج إليها -مهما كان ثمنها-، وإذا أقحمناها في اللباس فإنها ستفسده وتشوهه، وكذلك بالنسبة للزوجين لا بد أن يستغني كلاهما عن صفات وتصرفات، وجودها يشوه الحياة الزوجية ويفسدها، حتى وإن كانت عزيزة عليهما. وقد أمر الله بالمعاشرة بالمعروف فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء، رقم: ١٩].
⚫ **الوجه السابع: الْمُطَابَقَةُ وَالِائْتِلَافُ**
● مما يتصف به اللباس أن يكون مطابقًا للجسم، مكان وضع الأرجل يختلف عن مكان وضع الأيدي، وجهة الكتف تختلف عن جهة الخصر، فلا بد أن يطابق كل جزء من اللباس الجزء الذي يقابله من الجسم، ونفس الشيء بالنسبة للزوجين، لا بد أن يكون بينهما تطابق يزيد الألفة بينهما، تطابق في الدِّين، والخُلُق، والنَّفْسية.
● وفي الحديث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» .
⚫ **الوجه الثامن: الِالْتِصَاقُ وَالْمُلَازَمَةُ**
● فاللباس يلتصق بالجسد ويلازمه، والشيء نفسه بالنسبة للزوجين، فكل منهما ملتصق بالآخر في السراء والضراء، في الصحة والمرض، في الشدة والرخاء، وهذه هي الصحبة الصالحة التي أرادها الله لهذه العلاقة المقدسة. قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ والالتصاق هنا ليس جسديًا فقط بل روحيًا وعاطفيًا.
# ⚫ **المحور الرابع: أقوال المفسرين والسلف في معنى الآية**
وردت آثار متعددة عن الصحابة والتابعين والمفسرين في تفسير هذه الآية، وكلها تدور حول معاني السكن والستر والوقاية والملاصقة.
● **النقل الثالث - رواية الربيع بن أنس:**
< 2929 - حدثني المثني قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعيد قال: حدثنا أبو جعفر عن الربيع: " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن "، يقول: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن. > .
● **النقل الرابع - رواية مجاهد:**
< 2930 - حدثنا به المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن "، يقول: سكن لهن. > .
● **النقل الخامس - رواية قتادة:**
< 2931 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة: " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن "، قال قتادة: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن. > .
● **النقل السادس - رواية السدي:**
< 2932 - حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط عن السدي: " هن لباس لكم " يقول: سكن لكم " وأنتم لباس لهن "، يقول: سكن لهن. > .
● **النقل السابع - رواية عبد الرحمن بن زيد:**
< 2933 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال عبد الرحمن بن زيد في قوله: " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن "، قال: المواقعة. > .
● **النقل الثامن - رواية ابن عباس رضي الله عنهما:**
< 2934 - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إبراهيم عن يزيد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قوله: " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن " قال: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن. > .
● **النقل التاسع - من فتاوى الأستاذ الدكتور شوقي إبراهيم علام:**
جاء في الفتوى رقم 8059 بتاريخ 10 أكتوبر 2023 م: [حينما أمرَ الشرعُ الشريفُ بالزواج ورغَّبَ فيه: قصدَ به الاستخلاف والإعمار، وأرادَ له الديمومة والاستمرار؛ ولذلك أقامَ الشرعُ الشريف أساس هذه العلاقةِ على المودة والرحمة وحُسْن العِشْرة؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، وأباحَ استمتاع كلٍّ من الزوجين بالآخر بما يضمن لهما العفاف والكفاف، وجعل حقَّ المرأة في ذلك كحقِّ الرجل؛ لأن ما يحتاجهُ الرجلُ من المرأةِ من علاقته بها، هو عينُ ما تحتاجه المرأةُ من الرجل؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]] .
● **النقل العاشر - من موقع إسلام ويب:**
جاء في فتوى رقم 50378 بتاريخ 24-6-2004 م: [فقد فسر أهل العلم الآية الكريمة : [هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ] (البقرة: 187) بالستر، أي هن ستر لكم وأنتم ستر لهن، لأن كلا الزوجين يستر صاحبه ويمنعه من الفجور ويغنيه عن الحرام، والعرب تكني عن الأهل بالستر واللباس والثوب والإزار. وقال بعضهم: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن. وقال بعضهم: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن، أي يسكن بعضكم إلى بعض، كما في قوله تعالى:[ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا] (الأعراف: 189) وفي قوله: [وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً] (الروم: 21). وقال صاحب الظلال عند تفسير قوله تعالى: [أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ] (البقرة: 187). والرفث مقدمات المباشرة أو هو المباشرة ذاتها، وكلاهما مقصود هنا ومباح، ولكن القرآن الكريم لا يمر على هذا المعنى دون لمسة حانية رفافة تمنح العلاقة الزوجية شفافية ورفقا ونداوة.. وتنأى بها عن غلظ المعنى الحيواني وعرامته، وتوقظ معنى الستر في تيسير هذه العلاقة. والحاصل أن التعبير القرآني: [هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ] يشمل المعاني التي أشار إليها المفسرون وزيادة، فهو يشمل القرب والملاصقة والستر والتجميل والغطاء والمتعة والوقاء من الحر والبرد، ويرتفع بمشاعر الإنسان عن المستوى البهيمي في الوقت الذي يلبي فيه متطلبات جسده، فكلا الزوجين بهذا المعنى لصاحبه] .
# ⚫ **المحور الخامس: التطبيقات الفقهية والتربوية المستفادة من الآية**
⚫ **أولاً: إباحة الرفث والجماع ليلة الصيام**
● فقد قال تعالى في صدر الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، والرفث كناية عن الجماع ومقدماته، فأباح الله ذلك ليلة الصيام تخفيفًا ورحمة بالأمة بعد أن كان محرمًا في أول الإسلام، وهذا من عظيم لطف الله بعباده.
⚫ **ثانيًا: وجوب المعاشرة بالمعروف**
● من تمام كون الزوجين لباسًا لبعضهما أن يعاشر كل منهما الآخر بالمعروف، فلا ضرر ولا ضرار، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء، رقم: ١٩].
⚫ **ثالثًا: ستر العيوب وعدم إفشاء الأسرار**
● وقد تقدم الحديث الشريف في تحريم إفشاء السر الزوجي، وهذا من أعظم ما يحقق معنى اللباس الستار.
⚫ **رابعًا: تحصين النفس والعفاف**
● فالزواج يحصن الدين ويحفظ الفرج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في النقل عن الرازي: «مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أَحْرَزَ ثُلُثَيْ دِينِهِ» .
# ⚫ **الخاتمة**
وبعد هذا التطواف في رحاب الآية الكريمة ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، ندرك أن العلاقة الزوجية في الإسلام ليست مجرد علاقة جسدية أو عقد اجتماعي، بل هي علاقة وجودية تتجلى فيها رحمة الله الخالقة، وتتحد فيها روحان في جسدين، ويستتر كل منهما بعيوب الآخر فيسترها، ويحميه من الحرام فيوقيه، ويكمله فيسد نقصه، ويلتصق به في ملازمته، ويتكيف معه في معاشرته، ويتطابق معه في ائتلافه. إنها علاقة تستمد قدسيتها من مصدرها الإلهي، وغايتها السكن والمودة والرحمة. فطوبى لمن جعلوا بيوتهم جنات من اللباس والستر والدفء، وطوبى لمن تفقهوا في هذا الأدب الرباني، فعاشوا مع أزواجهم كما يحب الله ويرضى.
# ⚫ 🤲 **الدعاء** 🤲
اللهم يا من خلق من نفس واحدة زوجها ليسكن إليها، ويا من جعل بين الأزواج مودة ورحمة، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تمن علينا بأزواج وذريات صالحين، يكونون لنا لباسًا ونكون لهم لباسًا. اللهم ألف بين قلوبنا وقلوب أزواجنا كما ألفت بين قلوب المؤمنين، وأذهب عنا الشحناء والبغضاء والكراهية، واجعل بيوتنا جنات من السكن والطمأنينة. اللهم استر عيوبنا في الدنيا والآخرة، ولا تفضحنا يوم تعلن السرائر، وأعذنا من شياطين الإنس والجن أن يفرقوا بين المرء وزوجه. اللهم أصلح ذات بيننا، وبارك لنا في أزواجنا وذرياتنا، واجعلنا قدوة حسنة لكل من يريد أن يعمر الأرض بالحب والطاعة. اللهم قنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، واجمعنا بأزواجنا في جنات النعيم. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا. إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
# ● **الهاشتجات**
✍️ **محمد أبوالنصر**
Click here to claim your Sponsored Listing.
Category
Website
Address
بنها
Cairo